محمد متولي الشعراوي
1931
تفسير الشعراوى
« كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ » وحتى إن كنت لا تمتلك ولا تعطى أفلا تحث من عنده أن يعطى ؟ أنت ضنين حتى بالكلمة ، فمعنى تحض على طعام المسكين . . أي تحث غيرك . . فإذا كنت تضن حتى بالنصح فكيف تقول إن المال كرامة والفقر إهانة ؟ . . « كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا » أي تأكلون الميراث وتجمعون في أكلكم بين نصيبكم من الميراث ونصيب غيركم دون أن يتحرّى الواحد منكم هل هذا المال حلال أو حرام . . فإذا كانت المسألة هكذا فكيف يكون إيتاء المال تكريما وكيف يكون الفقر إهانة ؟ . . لا هذا ولا ذاك . « لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً » والذي يقول هذا الكلام : هو اللّه ، إذن لا بد أن يتحقق - فيا رب أنت قلت لنا : إن هذا سيحصل وقولك سيتحقق ، فماذا أعطيتنا لنواجه ذلك ؟ - اسمعوا العلاج : « وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » . . تصبر على الابتلاء في المال ، تصبر على الابتلاء في النفس ، تصبر على أذى المعسكر المخالف من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ، إن صبرت فإن ذلك من عزم الأمور ، والعزم هو : القوة المجتمعة على الفعل . فأنت تنوى أن تفعل ، وبعد ذلك تعزم يعنى تجمع القوة ، فقوله : « فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ » أي من معزوماتها التي تقتضى الثبات منك ، وقوة التجميع والحشد لكل مواهبك لتفعل . إذن فالمسألة امتحان فيه ابتلاء في المال ، وابتلاء في النفس وأذى كثير من الذين أشركوا ومن الذين أوتوا الكتاب ، وذلك كله يحتاج إلى صبر ، و « الصبر » - كما قلنا - نوعان : « صبر على » و « صبر عن » ، ويختلف الصبر باختلاف حرف الجر ، صبر عن شهوات نفسه التي تزين للإنسان أن يفعل هذه وهذه ، فيصبر عنها ، والطاعة تكون شاقة على العبد فيصبر عليها ، إذن ففي الطاعة يصبر المؤمن على المتاعب ، وفي المعصية يصبر عن المغريات . و « لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ » توضح أنه لا يوجد لك غريم واضح في الأمر ، فالآفة تأتى للمال ، أو الآفة تأتى للجسد فيمرض ، فليس هنا غريم لك قد تحدد ،